وهبة الزحيلي
118
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
هو المدبّر للأشياء على وفق الحكمة والصواب . مُطَهَّرَةٌ من العيوب والأدناس الحسية كالحيض والمعنوية . خالِدِينَ دائمين . ظِلًّا ظَلِيلًا ظلّا وارفا دائما لا تنسخه شمس ولا يصحبه حرّ ولا برد ، وهو ظلّ الجنّة . وهذه صيغة مبالغة وتأكيد ، مثل قولهم : ليل أليل . وقد يعبر بالظل عن العزة والنعمة والرفاهية ، فيقال : « السلطان ظل اللّه في أرضه » . المناسبة : هذا جزاء الفريقين : المؤمنين والكفار ، الذين أشارت إليهم الآية السابقة بأن بعض الناس صدّق بالأنبياء ، وبعضهم الآخر أعرض عن اتّباع الحق . التفسير والبيان : إن الذين كفروا بآياتنا المنزلة على أنبيائنا ، وبخاصة القرآن الذي هو خاتم الكتب الإلهية وأكملها وأبينها ، سوف نحرقهم بالنار ، ثم أخبر اللّه تعالى عن دوام عقوبتهم ونكالهم فقال : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها أي كلما احترقت جلودهم ، حتى لم تعد صالحة لنقل الإحساس بالألم إلى الدماغ في مركز الشعور ، بدّلناهم جلودا أخرى حيّة تشعر بالألم وتحسّ بالعذاب ، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « تبدّل جلودهم كلّ يوم سبع مرات » . والسبب هو أن يذوقوا العذاب ، أي يدوم لهم ذوقه ولا ينقطع ، كقولك للعزيز : أعزّك اللّه ، أي أدامك على عزك وزادك فيه ، وهذا مثل قوله تعالى : كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً [ الإسراء 17 / 97 ] . ثم أكّد اللّه تعالى علّة العقاب وبيّن مدى القدرة عليه ، فذكر أنه تعالى عزيز قادر لا يمتنع عليه شيء مما يريده بالمجرمين ، حكيم لا يعذب إلا بعدل ، ولا يعاقب إلا على وفق الحكمة . ومن مقتضيات العدل : أن الكفر والمعاصي سبب للعذاب أو العقاب ، وأن الإيمان والعمل الصالح سبب للنعيم والجنة ، فلكل عمل ما يناسبه ، لذا قرن ثواب المؤمن بجزاء الكافر ، لإظهار الفرق بينهما .